اتسم العام الماضي بعدم استقرار أمني واقتصادي على غرار العام الذي سبقه. وقد أظهر الاقتصاد الإسرائيلي حصانة وقوةً ملحوظتين في مواجهة الواقع الأمني المعقد الذي أثر عليه بشكل كبير. مع بداية عام 2026 ورغم انحسار حالة عدم الاستقرار الجيوسياسي، فإننا نواجه تحديات اقتصادية تؤكد الحاجة إلى سياسات اقتصادية مسؤولة تدعم النمو الاقتصادي في السنوات القادمة وتضمن استمرار الاستقرار المالي.
عقدت اللجنة النقدية أمس واليوم اجتماعات في بنك إسرائيل لاتخاذ قرارها بشأن السياسة النقدية. ركزت مناقشات اللجنة على تحليل العمليات الاقتصادية المحلية والعالمية، التي شهد بعضها تطورات هامة في الأسابيع الأخيرة. في ختام المناقشات قررت اللجنة النقدية خفض سعر الفائدة بنسبة 0.25% ليصل إلى 4%.
سأتناول أولاً الاعتبارات الرئيسية التي استندنا إليها في اتخاذ هذا القرار.
منذ القرار الأخير بشأن سعر الفائدة، شهدت بيئة التضخم المالي اعتدالاً. يتوقع المحللون أن ينخفض التضخم المالي إلى النطاق المستهدف بحلول الربع الأول من عام 2026، ويعود ذلك جزئياً إلى ارتفاع قيمة الشيكل. تشير البيانات النهائية في سوق العمل إلى تخفيف قيود العرض، ويتجلى ذلك في ارتفاع معدلات المشاركة والتوظيف وانخفاض معدل التغيب عن العمل بسبب الخدمة الاحتياطية، وتراجع معدل زيادات الأجور في قطاع الأعمال. لا تزال علاوة المخاطر في إسرائيل عند مستوى قريب من مستواها عشية الحرب.
سأتناول الآن بالتفصيل أهم التطورات الاقتصادية في إسرائيل والعالم، مع الإشارة إلى التوقعات المُحدَّثة من شعبة الأبحاث. في الأشهر الأخيرة شهدت بيئة التضخم المالي انخفاضاً، حيث بلغ التضخم السنوي في تشرين الثاني 2.4%. يظهر هذا التراجع في كلٍّ من مكونات التضخم القابلة للتداول وغير القابلة للتداول بما في ذلك قطاع الإسكان، وينعكس أيضاً في البيانات النهائية للأشهر الثلاثة والستة الماضية. في رؤية مستقبلية، من المتوقع أن يرفع مؤشر كانون الأول من التضخم المالي، وربما يقترب من الحد الأعلى للهدف، وبعد ذلك نتوقع انخفاضه إلى ما يقارب منتصف الهدف. تُشير توقعات التضخم المالي من المصادر المختلفة للعام المقبل، إلى أنه سيكون أقل بقليل من منتصف الهدف. أما توقعات العام الثاني وما بعده، فتظل قريبة من منتصف الهدف.
تشير المؤشرات الدورية إلى استمرار التوسع في النشاط الاقتصادي. تُظهر بيانات الإنفاق ببطاقات الائتمان استمرار النمو في الربع الأخير من العام مع تحركها حول خط الاتجاه العام. تم تعديل بيانات المحاسبة الوطنية للربع الثالث من العام بخفض طفيف. أما الرصيد الإجمالي في مسح اتجاهات الأعمال الصادر عن دائرة الإحصاء المركزية لشهر تشرين الثاني فهو مستقر بعد التعديل الموسمي، ولكنه لا يزال دون مستواه قبل الحرب. يستمر جمع رأس المال لقطاع التكنولوجيا الفائقة في الربع الرابع من العام في الحفاظ على مستوى مرتفع. في الربعين الثاني والثالث من عام 2025، شهد فائض ميزان السلع والخدمات انخفاضاً حاداً نتيجة النمو السريع في الواردات. وارتفعت صادرات الخدمات في تشرين أول بنسبة 4.9% بعد زيادة بلغت 8% في أيلول، واستمرت صادرات وواردات السلع في تشرين الثاني بالارتفاع.
لا يزال سوق العمل ضيقاً، لكن البيانات النهائية تشير إلى تراجع قيود العرض. يتجلى ذلك في ارتفاع معدلات المشاركة والتوظيف، وانخفاض معدل التغيب عن العمل بسبب الخدمة الاحتياطية، وتراجع معدل نمو الأجور في قطاع الأعمال. ارتفع معدل التوظيف ومعدل المشاركة في الفئة العمرية الرئيسية العاملة (25-64 عاماً) بشكل ملحوظ في تشرين ثاني بنحو نصف نقطة مئوية. بينما ظل معدل البطالة العام في الفئة العمرية الرئيسية العاملة (25-64 عاماً) مستقراً. انخفض معدل التغيب المؤقت عن العمل بسبب الخدمة الاحتياطية انخفاضاً طفيفاً في تشرين ثاني ليبلغ 0.5%. تُظهر البيانات النهائية انخفاضاً في معدل نمو الأجور في قطاع الأعمال. في الفترة بين آب وتشرين أول، ارتفعت الأجور في قطاع الأعمال بنسبة 5.3% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مقابل 5.9% في الفترة بين تموز وأيلول. في المقابل ظلت نسبة الوظائف الشاغرة إلى عدد العاطلين عن العمل مستقرة عند مستوى مرتفع، مع ارتفاع طفيف في معدل الوظائف الشاغرة.
في الأشهر الأخيرة، استمر الاتجاه التنازلي لأسعار الشقق بالتزامن مع انخفاض مستوى المعاملات مقارنةً بالسنوات الأخيرة وارتفاع مخزون الشقق غير المباعة لدى المقاولين. شهد بند خدمات الإسكان المملوكة للمستأجرين، والذي كان مستقراً لفترة طويلة، تباطؤاً في مؤشر تشرين ثاني، حيث بلغ المعدل السنوي 2.6%. انخفض معدل الزيادة في العقود التي شهدت تغييراً في المستأجرين من 5.5% في مؤشر تشرين أول إلى 4.7% في مؤشر تشرين ثاني. في الوقت نفسه، يشهد قطاع البناء نشاطاً ملحوظاً. في الأرباع الأربعة المنتهية في الربع الثالث، سُجلت زيادة بنسبة 31% تقريباً في مشاريع البناء الجديدة مقارنةً بالأرباع الأربعة السابقة، بينما سجلت عمليات إتمام البناء زيادة بنسبة 4.3% تقريباً مقارنةً بالفترة نفسها. إضافةً إلى ذلك، حافظت مشتريات الأراضي من قبل المقاولين في مزادات سلطة أراضي إسرائيل على مستوى مرتفع في عام 2025.
استمر نمو الائتمان التجاري بوتيرة مماثلة للأشهر الأخيرة، مع بقاء معدل التخلف عن السداد منخفضاً. وفقاً لمسح اتجاهات الائتمان الصادر عن دائرة الإحصاء المركزي لشهر تشرين ثاني، ظل معدل الشركات التي أبلغت عن قيود ائتمانية منخفضاً. في الوقت نفسه، استمر نمو الائتمان الممنوح للأسر في تشرين أول بنسبة 7.2% مقارنةً بتشرين أول من العام الماضي، ولم يظهر أي ارتفاع ملحوظ في معدلات التخلف عن السداد، التي لا تزال عند مستوى منخفض.
في الأسواق المالية، منذ قرار السياسة النقدية السابق وحتى يوم الجمعة الماضي، واصل الشيكل ارتفاعه بنسبة 3.1% مقابل الدولار، و1.5% مقابل اليورو. تعتبر علاوة المخاطر في إسرائيل كما تُقاس بفروق CDS، مماثلة لمستواها قبل الحرب. وشهدت مؤشرات الأسهم المحلية ارتفاعاً خلال الفترة قيد المراجعة وأظهرت نتائج إيجابية مقارنةً بالمؤشرات العالمية.
حدّثت شعبة الأبحاث توقعاتها للاقتصاد الكلي. وفقاً لتقييم الشعبة نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.8% في عام 2025. وُضعت التوقعات للسنوات القادمة على افتراض استمرار وقف إطلاق النار واستمرار انخفاض التجنيد الاحتياطي. تتوقع الشعبة أن تتراجع قيود العرض تدريجياً خلال فترة التوقعات مع زيادة ملحوظة في الطلب المحلي. في هذا السيناريو، من المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.2% في عام 2026، أي بزيادة قدرها نصف نقطة مئوية تقريباً عن توقعات شهر أيلول. في عام 2027 تتوقع الشعبة أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.3%، بحيث من المتوقع أن تتقلص فجوة الناتج المحلي الإجمالي مقارنةً بالاتجاه طويل الأجل، إلى حوالي 1% بنهاية العام. وفقاً للتوقعات، سيبلغ معدل التضخم المالي السنوي بنهاية عام 2025 نسبة 2.5%، مقارنةً بـ 3% في التوقعات السابقة. في عام 2026 من المتوقع أن يبلغ معدل التضخم المالي 1.7%، مقارنةً بـ 2.2% في التوقعات السابقة، وأن يصل إلى 2% في عام 2027. يُقدّر عجز الموازنة في عام 2025 بنسبة 4.8% من الناتج المحلي الإجمالي، وبنسبة 3.9% في عام 2026. أما نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، فتُقدّر بنحو 68.5% بنهاية عام 2025، ومن المتوقع أن تبقى عند مستوى مماثل في عامي 2026 و2027. تتوقع الشعبة أن يبلغ سعر الفائدة 3.5% بنهاية عام 2026.
وافقت الحكومة على مقترح الميزانية لعام 2026 بسقف عجز يبلغ 3.9% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى أعلى من العجز المخطط له مسبقاً، ويتماشى مع مسار تنازلي لنسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي. يعتمد تحقيق هذا الهدف المتعلق بالعجز من بين أمور أخرى، على عدم حدوث تطورات جيوسياسية تستدعي زيادة إضافية في الإنفاق الدفاعي، وعلى تحقق الافتراضات المتعلقة بمسار الإيرادات. لذلك من المهم إقرار ميزانية 2026 في الكنيست، مع الحرص على عدم تجاوز الهدف المتعلق بالعجز من أجل دعم ثقة السوق في الاقتصاد.
يستمر النشاط الاقتصادي العالمي في التوسع بوتيرة معتدلة، ومن المتوقع أن يبلغ معدل النمو العالمي لعام 2025 حوالي 3%. يستمر التضخم المالي العالمي في التراجع ببطء، ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى انخفاض أسعار الطاقة والهدوء النسبي في الحرب التجارية. في الولايات المتحدة، نما الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثالث من العام بشكل مفاجئ بنسبة 4.3% على أساس سنوي. وشهدت منطقة اليورو انتعاشاً في النشاط الاقتصادي، بينما تشير بيانات النشاط الاقتصادي في الصين لشهر تشرين ثاني إلى تباطؤ في معدل النمو. في الولايات المتحدة انخفض مؤشر أسعار المستهلك (CPI) في تشرين ثاني إلى معدل سنوي قدره 2.6%. وفي منطقة اليورو لا يزال التضخم المالي معتدلاً، حيث استقر في تشرين ثاني عند 2.1% على أساس سنوي. في آخر قرار بشأن أسعار الفائدة، خفض الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي FED سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، بينما أبقى البنك المركزي الأوروبي ECBسعر الفائدة دون تغيير.
في الختام، يستمر النشاط الاقتصادي في التوسع. كما أنه سجّل منذ قرار سعر الفائدة الأخير عدداً من التطورات الهامة: أولاً، انخفض معدل التضخم المالي؛ ثانياً، شهدت سعر الصرف مزيداً من الارتفاع، وهو ما يُتوقع أن يُسهم في تخفيف الضغوط التضخمية. علاوةً على ذلك، يشهد سوق العمل تضيقاً ولكن ثمة مؤشرات على تخفيف قيود العرض فيه. على ضوء كل ذلك، ورغم أن المؤشر القادم يُتوقع ارتفاعاً للتضخم المالي قد يقترب من الحد الأعلى للهدف، فقد قررت اللجنة خفض سعر الفائدة من الآن. يأتي هذا القرار على ضوء تقديرها بأن تعكس الزيادة المتوقعة في التضخم المالي عوامل تقنية، حيث تتوقع المؤشرات اللاحقة أن يبقى التضخم المالي حول منتصف الهدف. يتماشى هذا القرار مع ما ذكرته سابقاً بأن اللجنة تعمل وفقاً للبيانات ولأحدث تقييمات التطور الاقتصادي. سيستمر تحديد مسار سعر الفائدة وفقاً لتطور التضخم المالي والنشاط الاقتصادي والتقلبات الجيوسياسية والتطورات المالية.
في هذا السياق، أودّ الإشارة إلى توقعات شعبة الأبحاث بأنّ سعر الفائدة في السيناريو الأساسي سيبلغ 3.5% بنهاية عام 2026. من المهم التأكيد على أنّ اللجنة لا تزال تُقيّم أنّ مسار أسعار الفائدة في السيناريو الأساسي سيظل في المستقبل تدريجياً وحذراً. سيكون من المهم للجنة بشكل خاص دراسة آثار تخفيضات أسعار الفائدة التي تمّت حتى الآن على النشاط الاقتصادي وعلى التضخم المالي، واستقرارها بالقرب من منتصف النطاق المستهدف.
شكراً جزيلاً.
هبطت عملة "بتكوين" المشفرة اليوم الخميس إلى أقل من 90 ألف دولار، في ظل تزايد المخاوف بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على أرباح شركات التكنولوجيا، وتراجع شهية...
سرّحت شركة موبيل آي الإسرائيلية للقيادة الذاتية حوالي 200 موظف من أصل 4000 موظف تقريبًا، معظمهم في إسرائيل. وعلم...
كشف نظام الديجيتال الوطني، اليوم عن حملة تجسس إيرانية، وصفت في دراسة مهنية أجرتها وحدة حماية السايبر...
تتوقع "أوبن إيه آي" نموًا لافتًا في قاعدة مشتركي خدمة تشات جي بي تي المدفوعة، مع تقديرات تشير إلى وصول عدد...
يشهد المجتمع العربي منذ مطلع عام 2026 تصاعدًا خطيرًا في جرائم القتل وأحداث العنف، في ظل انفلات أمني متواصل وفشل واضح في كبح انتشار السلاح والجريمة المنظمة. ومع دخول...
كل ما يجب معرفته عن المضادات الحيوية (Antibiotic) في الفترة الأخيرة نشهد دعوات متزايدة...
مراقب الدولة ينشر تقريره التاسع حول الاخفاقات في حرب السّيوف الحديديّة:ثلث...
هبطت عملة "بتكوين" المشفرة اليوم الخميس إلى أقل من 90 ألف دولار، في ظل تزايد المخاوف بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على أرباح شركات التكنولوجيا، وتراجع شهية...
سرّحت شركة موبيل آي الإسرائيلية للقيادة الذاتية حوالي 200 موظف من أصل 4000 موظف...
كشف نظام الديجيتال الوطني، اليوم عن حملة تجسس إيرانية، وصفت في دراسة مهنية أجرتها...
تتوقع "أوبن إيه آي" نموًا لافتًا في قاعدة مشتركي خدمة تشات جي بي تي المدفوعة، مع...