اغلاق
شعار موقع وازكام

لماذا أخفقت استطلاعات الرأي في التنبؤ بنتيجة الانتخابات؟ وهل اخترقها نتنياهو؟!

, تم النشر 2026/10/29 20:08

في ليلة الانتخابات الأخيرة للكنيست، لم تكن المفاجأة الكبرى مقتصرة على التحولات السياسية العميقة في هوية المعسكر الحاكم فحسب، بل تمثلت في الانهيار المدوّي والكامل لأعقد المنظومات والنماذج الإحصائية التي تعتمد عليها قنوات التلفزة الإسرائيلية الرسمية. تلك المنظومات، التي طالما فاخر خبراء الإحصاء بدقتها وقدرتها على رسم الخريطة البرلمانية القادمة عبر ما يُعرف بـ العينات التلفزيونية أو "المدجاميم"، وقفت عاجزة تماماً أمام زلزال انتخابي غير متوقع.


لقد أثبتت الصناديق الحقيقية وفرز لجنة الانتخابات المركزية أن التدفق التاريخي وغير المسبوق للمصوتين في المجتمع العربي كان المتغير الأساسي والحاسم الذي قلب موازين القوى البرلمانية، وأطاح في طريقه بكافة الحسابات الرياضية المسبقة لشركات الاستطلاع.


ولفهم هذا الفشل الإحصائي الجماعي بعيداً عن التخمينات، تبرز عوامل بنيوية وفنية قاطعة أدت إلى هذا التباين الشاسع بين التوقعات والواقع:
أولاً: انهيار "الوزن النسبي للصوت"
تبني قنوات التلفزة برامجها المحوسبة ونماذجها الرياضية بناءً على معطيات وسلوكيات انتخابية تاريخية، حيث تمت برمجة الحواسيب ليلة الانتخابات على فرضية تصويت تقليدية في البلدات العربية. لكن التدفق الهائل للمصوتين العرب، الذي دفع بتمثيلهم البرلماني إلى قفزة تاريخية غير مسبوقة تجسدت في 19 مقعداً، أدى إلى خلل فني في الصياغة الرياضية. هذا الانفجار العددي في معسكر معين سحب مقاعد وتوازن القوى من المعسكرات الأخرى تلقائياً، نظراً لكون اللعبة الانتخابية محكومة بسقف ثابت لا يتعدى 120 مقعداً.


ثانياً: "العمى الإحصائي" في الساعات الأخيرة
تاريخياً، يتأخر الإقبال على صناديق الاقتراع في المجتمع العربي إلى ساعات المساء الأخيرة. وبسبب حاجة وسائل الإعلام لتجهيز الرسوم البيانية وصياغة النتائج قبل إغلاق الصناديق بنحو ساعة ونصف للبث المباشر في تمام الساعة العاشرة، أصبحت النماذج الإحصائية "عمياء" تماماً أمام تسارع وطوابير التصويت في اللحظات الأخيرة. هذا الزحف التصويتي المتأخر حدث بعد أن أغلق الإحصائيون حساباتهم البرمجية، مما جعل المادة الخام لبيانات التلفزيون منفصلة كلياً عن الواقع الفعلي داخل الصناديق الحقيقية.


ثالثاً: عدم مطابقة "الصناديق النموذجية" للواقع الديموغرافي
لا يملك خبراء الإحصاء القدرة على وضع صناديق عينات في كل مركز اقتراع عبر البلاد، بل يعتمدون على اختيار عينات جغرافية محددة يظنون أنها تمثل "الخريطة الجينية" للمجتمع. إلا أن التدفق العربي في هذه الجولة لم يكن متوازياً جغرافياً، بل شهد قفزات خارقة ومتفاوتة في مناطق معينة كالنقب والمناطق البدوية، مما جعل الصناديق النموذجية المختارة من قبل الخبراء غير معبرة بدقة عن حجم الزلزال الذي كان يتشكل على الأرض.
إن ما حدث ليلة السابع والعشرين من أكتوبر لم يكن مجرد ليلة سياسية عاصفة، بل كان درساً إحصائياً قاسياً يثبت أن السلوك البشري والتدفق الجماهيري المنظم قادران في أي لحظة على كسر جمود المعادلات الرياضية، وأن الصوت العربي لم يطح بنتنياهو ومعسكره فحسب، بل أطاح بأعقد برمجيات الإحصاء وأكثرها دقة.

vital_signs قد يهمك ايضا